عبد الملك الجويني
107
الشامل في أصول الدين
قبل ذلك الذي قبله إلى غير أول ، فكيف ينقضي حتى تنتهي النوبة إلى الذي فيه الكلام ؟ فقد بطل أن يكون الإنسان من أثر طبيعة فلكية ، ويستحيل ثبوت حادث محكم متقن جائز الوجود والعدم في وقت مخصوص على صفة مخصوصة من غير اقتضاء مقتضي ، وقد بطل اقتضاء الطبائع ، فلم يبق إلا إثبات المحدث . فأغنت هذه النكتة عن كل ما قدمناه ، وجرت إلى العلم بالحدث وإبطال القوى والطبائع ، وتضمنت العلم بالمحدث . ومما ذكره شيخنا رضي اللّه عنه في بعض مجالس النظر - وهو يحاول مناظرة بعض الملحدة القائلين بقدم الأرض بجبالها وبحارها ، وسهلها ووعرها - فقال رضي اللّه عنه : ألستم تزعمون أن الأمطار ، وتوالي الرياح ، وتعاقب أشعة الشمس على الصخور الصم تقلقلها وترضرضها وتدكدكها ، وأن الصخرات المرئية في حضيض [ الجبال ] « 1 » إنما هي متدهورة إليها من قللها وذراها ، فلو كانت لم تزل تنقص ، لما بقي منها شيء ، فإن ما تسلط عليه نقص ، لا يتناهى ، لم يقدر منه شيئا ، وأفحم الملحد ، وتقبل الدين . وإنما ذكرنا هذه الطرق لنضرب في المختصرات من الأدلة ضربك في المبسوطات . ومما ذكره شيخنا رضي اللّه عنه موجزا أن قال : لو كانت الجواهر قديمة ، لم تخل : إما أن تكون إما مجتمعة وإما مفترقة ، أو لا مجتمعة ولا مفترقة ، و [ ب ] « 2 » ضرورة العقل نعلم استحالة كونها مجتمعة مفترقة معا ، وكذلك بضرورة العقل نعلم استحالة كونها لا متلاصقة متدانية ولا متباعدة . فإن قالوا : إنها مجتمعة ، فلا يخلو : إما أن تجتمع لأنفسها ، فيستحيل خلوها عن وصف الاجتماع ما بقيت أنفسها ، وإما أن تجتمع لمعنى ، ثم يجب أن يكون ذلك المعنى قديما ، إذ ثبت الاجتماع أزليا . ولو ثبت اجتماع قديم ، للزم ولم يعدم ، إذ ليس الافتراق الطارئ ينفي الاجتماع القديم أولى من نفي الاجتماع القديم للافتراق ، وحتى لا يطرأ ، فلما افترقت جواهر العالم بطل القول باجتماعها في الأزل . وكذلك لو قدرت مفترقة ، فينبغي أن لا تجتمع أبدا لمثل ما قدمناه . فإذا استحال إثبات الاجتماع والافتراق جميعا ، واستحال الاتصاف بهما والخلو منهما ، فلم يبق إلا القول بنفي الجواهر في الأزل ، إذا لو ثبت لم تخل عن أحد الأقسام الذي بطل جميعها . فإن قال قائل : قد استدل صاحبكم باعتوار الأحوال على تغير النطفة ، وقال : لو كانت قديمة لما تغيرت ، فما دليلكم على منع تغير القديم ؟ قلنا : لنا في ذلك وجهان : أحدهما البسط ، والآخر الإيجاز . وسبيل البسط الإحالة
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .